مع اشراقة كل كتاب

  • 116

كيف تربح المعركة قبل أن تخوضها؟

كيف تربح المعركة قبل أن تخوضها؟

2500 عام لم تكن كافية ليعلو الغبار كتاب “فن الحرب”. نقّب في صفحاته قادة كبار بينهم نابليون وماو تسي تونغ. واستخدم في التخطيط لعملية عاصفة الصحراء حيث قال عنه الجنرال كولن باول إنه كتاب يواصل تأثيره على الجنود والسياسيين. وأوصى دونالد ترامب بقراءته، واعتبره واحدا من أعظم الكتب الحربية التي دوّنها التاريخ.

مع انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، ونجاح طالبان في السيطرة على البلاد خلال وقت قياسي ودون قتال تقريبا، عاد كتاب “فن الحرب” ليذكرنا بأنه كتاب لا يموت.

في تقرير نشرته مجلة “ناشونال إنترست” الأميركية يقول يورغن أورستروم مولر الوزير الدنماركي السابق والباحث في معهد دراسات جنوب شرق آسيا في سنغافورة إن الإرهابيين أدركوا “أن كل ما يحتاجونه هو انتظار الوقت المناسب حتى تفقد الولايات المتحدة عزمها وإصرارها”، مذكرا بتعاليم سون تزو الذي ذاع صيته حوالي عام 500 قبل الميلاد ونصيحته بتجنب المواجهة حتى يكون هناك توازن ملائم.

مقاتلو طالبان، بوعي منهم أو دون وعي، طبقوا تعاليم الاستراتيجي الصيني تزو الذي ذاع صيته حوالي عام 500 قبل الميلاد بسبب عبقريته العسكرية القائمة على تجنب المواجهة حتى يكون هناك توازن ملائم.

إلا أن القراءة السطحية لكتاب فن الحرب ستحد من أهمية أشهر كتاب في التاريخ. الحرب التي تحدث عنها تزو لا تقتصر على الميدان، بل هي حرب شاملة جوهرها تجنب الحرب.

وهذا ما فعلته طالبان على مدى عشرين عاما.

“النصر الأعظم هو ذاك الذي لا يتطلب قتالا”. أكاد أجزم أن تزو قد تردد كثيرا عندما اختار عنوانا لكتابه، بين أن يسميه فن السلم، أو فن الحرب، قبل أن يحسم أمره ويختار فن الحرب. السلم حالة لا ندرك قيمتها إلا في الأوقات التي يفرض فيها القتال علينا.

فن تجنب الحرب، عنوان آخر استبعده تزو، وهو الذي قال لنا إن المقاتل الحكيم هو من يتجنب المعركة. ومن يرغب في الانتصار عليه أولا أن يحسب التكلفة، ويتأمل ويتدبر قبل الإقدام على أية خطوة. وأن ذروة فن الحرب هي إخضاع العدو دون قتال، وأن لا فائدة لأية أمة في إطالة أمد الحرب.

“أن تكسب مئة معركة ليس ذروة المهارة، أن تخضع العدو دون قتال هو ذروة المهارة”.

ركز تزو في الجزء الأكبر من كتابه على تلقيننا أهمية أن نتجنب الحرب، وهو ما يفسر جاذبية كتابه حتى بعد مرور أكثر من 2500 عام. ولكن لا بد أن يأتي حين لا يمكن فيه تجنب المواجهة مع العدو. عندها لا بد من استدعاء الشطر الآخر من الكتاب والتركيز على فن الحرب.

الحرب تجربة إنسانية مشتركة ومؤلمة، رغم ذلك يجب على الدول أن تنخرط في الحروب في نهاية المطاف من أجل البقاء. عندما يحدث هذا، يجب الدخول في الحرب بثقة وحسم، ولكن أيضًا مسلحا بالمكر والخداع.

وكما تجلت عبقرية تزو في كسب السلم، تجلت أيضا عبقريته في كسب الحرب. المحاربون المنهزمون يذهبون إلى الحرب في البداية، أما المحاربون المنتصرون فهم الذين يكسبون في البداية ثم يذهبون إلى الحرب. ولذلك لا بد للحاكم المتنور والقائد الحكيم من استخدام الاستخبارات من أجل التجسس، حتى يكون هو من يحرك العدو ولا يسمح للعدو أن يحركه. والسر في كل ذلك اعتماد الخدعة.

حيل عسكرية

هل يمكن أن نقرأ ما كتبه تزو دون أن نتذكر قول النبي محمد “الحرب خدعة”؟ وهل لنا أن نمرّ على مقولته “كل الحروب تعتمد على الخداع” دون أن نتذكر نصيحة معاوية لولده “إن خدعك الناس فانخدعت لهم خدعتهم”.

“عندما نكون قادرين على الهجوم، يجب أن نبدو بموقف العاجز. عند استخدام قواتنا، يجب أن نظهر غير نشطين؛ عندما نقترب، يجب أن نجعل العدو يعتقد أننا بعيدون. عندما نكون بعيدًا، يجب أن نجعله يعتقد أننا قريبون”.

“الفوز بمئة انتصار في مئة معركة ليس هو ذروة المهارة. إخضاع العدو دون قتال هو ذروة المهارة”.

“السر كله يكمن في إرباك العدو، حتى لا يتمكن من فهم نيتنا الحقيقية الامتياز الأسمى هو كسر مقاومة العدو دون قتال”.

توقع سون تزو أن يكون القادة العسكريون على درجة عالية من المهارة في فن الخداع. الخداع هو جانب لا يقدر بثمن من الاستراتيجية كوسيلة لتحقيق النصر. من خلال الخداع الناجح، يمكن لدولة أصغر قهر دولة أكبر. ويمكن أن يخل بتوازن القوى غير المتكافئ. من خلال الخداع، يمكن غزو العدو بأقل قدر من العنف أو حتى بغياب شامل له.

والحرب بالنسبة إلى تزو تتعلق بالاستراتيجية أكثر مما تتعلق بالقتال. تذكر أن “فن الحرب” كُتب في فترة أراد فيها حكام الصين تقليل التكلفة المادية وأضرار الحرب لحماية تجارتهم.

ينقل تزو الحرب إلى عالم العقل، في قلب هذا الأسلوب العسكري الذي يحركه العقل يكمن الخداع. يشمل الخداع أي شيء غير تقليدي أو مخالف للتوقعات العادية. لكن هذا هو المكان الذي تجعل فيه حرب المعرفة وضع الاستراتيجيات أمرًا صعبًا.

الحيل العسكرية هي ما يقود إلى النصر، لذلك يجب الحرص على ألاّ تكشف مسبقاً. ليربح القائد المعركة يجب أن يقوم بالعديد من الحسابات قبل أن تحصل المعركة. القائد الذي خسر المعركة، لم يقم بإجراء إلا القليل من الحسابات قبل الالتحام.

القيام بحسابات مكثفة يقود إلى النصر، بينما القليل منها يقود إلى الهزيمة. لكن ما هو حال من لا يقوم بأي حسابٍ؟

بالانتباه إلى هذه الحقيقة، يقول تزو إن باستطاعته رؤية من سيفوز ومن سيخسر المعركة قبل وقوعها.

“عزز الفخاخ لتغري العدو. اختلق الفوضى، وقم بسحقه. إذا كان عدوك آمناً في كل النقاط، كن مستعداً له. إذا كان متفوقاً بالقوة، تحاشاه. إذا كان عدوك ذا طبع حانق، قم بالسعي لإغضابه. ادّع الضعف، حتى تزداد غطرسته. إذا كان مرتاحاً، لا تعطه الفرصة للراحة. إذا كانت قواته متحدة، حاول تفرقتها. قم بالهجوم عليه حينما لا يكون جاهزاً، واظهر حيثما لا يتوقعك”.

كان تزو يدرك أن الحرب تكسب بالمعلومات، لذلك شدد على دور القائد ليس فقط في وضع استراتيجية المعركة، بل في جمع المعلومات الاستخباراتية الشاملة حول كل التفاصيل المتعلقة بالعدو، وساحة المعركة، وحالة الأفراد المقاتلين.

“القائد الجيد يجب أن يعرف رجاله أيضا، كما يعرف العدو، ويجيد استخدام البيانات التكتيكية. فقط عندها سيكون قادرا على التلاعب بالآخرين، خاصة قائد العدو، واستنتاج الخطوة التالية للعدو من فهم السلوك. فوق كل ذلك يجب أن يتحلى بالقدرة على رؤية الأشخاص على حقيقتهم”.

ومع ذلك، لا يكفي مجرد الحصول على معلومات عن العدو. يجب على القائد أن يكون بارعًا في استخدام هذه المعلومات لصالحه.

تعتمد القرارات التكتيكية على قدرة القائد على التفسير الصحيح للإشارات المتاحة وتوقع خطط عدوه. لا يعتقد تزو أن المعرفة يمكن أن تجعل شكوك الحرب مؤكدة. وبدلاً من ذلك يتوقع من القادة تقليل الشكوك عن طريق المعرفة والارتقاء بمكره ليتجاوز مكر العدو. وهنا تبرز أهمية بديهية عبارة تزو الشهيرة “الحرب طريقة للخداع”.

باختصار، يعتقد تزو أن الحرب مكلفة ومن المحتمل أن تكون مدمرة للدولة ويجب شنها بحذر، والأفضل عدم شنها. المعرفة والخداع والمكر هي أدوات القائد التي من خلالها يمكن تأمين موقع متميز على العدو. عند ذلك فقط يمكن شن الهجوم بسرعة وحسم.

حروب معنوية

الحرب لا تقتصر على المواجهة العسكرية في ساحات القتال، هناك حرب أخرى لا تقل أهمية عن المواجهة بالسلاح، هي حرب أيديولوجية تهدف إلى قهر الخصم بالدعاية والترهيب دون الاضطرار إلى اللجوء إلى الالتحام الجسدي.

ويعتبر تزو أن تحسين الاقتصاد والتنظيم المدني، وحل النزاعات الداخلية، وزيادة التدريب العسكري، وإجراء مفاوضات السلام، وجمع الحلفاء، وإرسال الجيش إلى الميدان لبدء عمليات محدودة، كلها جزء من الحرب المتكاملة.

من الناحية المثالية، يتم تحقيق ذلك من خلال الدبلوماسية. وقد تشمل الحرب الأيديولوجية أيضًا أنواعًا فرعية مثل الحرب النفسية والإعلامية. وتجري الحرب المتكاملة في آن واحد في المجالات الإدارية والدبلوماسية والعسكرية.

لا غرابة بعد أن قيل كل ذلك، أن كتاب “فن الحرب” لم يركن يوما ليعلوه الغبار رغم مرور 2500 عام على وضعه، وترجم إلى 29 لغة أجنبية. وهنالك أكثر من ترجمة عربية، أهم مترجميها هما سمير الخادم مع مؤسسة دار الريحاني للطباعة والنشر، ومحمود حداد مع دار القدس.

لقد تحول الكتاب إلى جزء أساسي من الفكر الاستراتيجي الصيني تستخدمه أكاديمية الدفاع الوطني لجيش التحرير الشعبي كنص أساسي لجميع الجنود منذ عام 2006.

ونقشت الأكاديمية أقوال نقلتها عن تزو على جدرانها. ويمكن للمسؤولين الصينيين تلاوة مقاطع كاملة من الذاكرة. وفي عام 2003 أدرجت اللجنة العسكرية المركزية الصينية أكثر من 300 مثال للحرب النفسية والإعلامية والقانونية استشهدت خلالها 39 مرة بأقوال تزو.

من هو سون تزو؟

قليلة هي الكتب التي تجاوزت شهرتها شهرة كتّابها، وكما هو حال نيكوس كازانتزاكيس مع روايته “زوربا”، وحال ميغيل دي ثيربانتس مع روايته “دون كيشوت”، الإنصاف يستدعي أن نتحدث عن تزو الذي طغت شهرة كتابه على شهرته.

بالتأكيد، كان تزو أكثر من مجرد محارب أو قائد يفهم استراتيجيات القتال وكسب المعارك. من الواضح أنه كان رجلا ذا بصيرة، وإنسانا حاد الذكاء. والأهم من ذلك كله كان قادرا على تحويل أفكاره النظرية إلى وسائل عملية على أرض الواقع.

عاصر تزو، الذي ولد عام 551 قبل الميلاد، نهايات ما يعرف بـ”عصر الربيع والخريف” الذي شهد تحول المجتمع الصيني من مجتمع العبيد إلى المجتمع الإقطاعي، حيث كثرت الحروب بين أكثر من 130 مملكة صغيرة. أدى التحارب في ما بينها إلى ظهور خمس ممالك قوية تنازعت على السلطة والحكم.

لم يكن تزو الشاب بمعزل عن تلك الحروب التي ساهمت في بناء خبرته العسكرية وصقلت مواهبه، ولا ننسى بالطبع أنها زادت من حكمته.

ووفق المخطوطات الصينية فإن تزو كان جندياً في مملكة تشي؛ وبسبب ذيوع خبرته في فنون الحروب والقتال طلب منه الملك هوو لوو أن يضع خلاصة خبرته وتجاربه في كتاب، فكان “فن الحرب”. فلما انتهى سون تزو من كتابته سأله الملك “هل يمكنني وضع نظرياتك عن إدارة الجنود تحت الاختبار؟”. رد تزو بالإيجاب، فسأله الملك مرة أخرى “وهل يمكننا إجراء الاختبار على النساء؟”.

وتم إحضار 180 امرأة من جواري القصر، قسّمهن سون تزو إلى مجموعتين، وعيّن على رأس كلتا المجموعتين محظية، ثم أمرهن بأن يتسلحن بالحراب في أيديهن، ثم خطب بهن قائلاً “أعتقد أنكن تعلمن الفرق بين المقدمة والمؤخرة، اليد اليمنى واليد اليسرى؟”. أجابته النسوة “نعم!”.

فمضى تزو قائلاً “عندما أقول انظرن أمامكن، يجب عليكن النظر إلى الأمام؛ وعندما أقول دُرّن إلى اليسار فيجب عليكن الدوران باتجاه أيديكن اليسرى، وعندما أقول دُرّن إلى اليمين فيجب عليكن الدوران باتجاه أيديكن اليمنى”.

على دقات الطبول أعطى تزو أوامره “درّن إلى اليمين” لكن النساء انفجرن في الضحك ولم ينفذن الأمر، فعقّب تزو قائلاً “إذا كانت الكلمات المستخدمة في إصدار الأوامر غير واضحة، وإذا كانت الأوامر غير مفهومة، فيقع اللوم وقتها على القائد”.

ثم أكمل تدريبهن فأعطى أوامره “درّن إلى اليسار” لكن النساء انفجرن في الضحك ثانية ولم ينفذن الأمر، فعقّب قائلاً “إذا كانت الأوامر واضحة ومميزة، وإذا كانت الأوامر مفهومة فهماً شاملاً ولم ينفذ الجنود الأوامر، فيقع اللوم وقتها على الجنود”.

هنا أصدر تزو الأوامر بقطع رقبة قائدتي المجموعتين أمام النسوة!

وعلى الفور تم تعيين من تليهن في الحظوة لدى الملك، وتم استئناف التدريب فلم تضحك أي واحدة، وتقدمت النسوة في التدريبات العسكرية دون أن يخاطرن بإصدار أي صوت!

أرسل تزو رسالة إلى الملك قائلاً “لقد تم تدريب وتنظيم جنودكم، يمكنكم الآن استخدامهن في أي رغبة يشاؤها ملكهن. أصدر لهم الأمر فيخضن خلال الماء والنار”.

إلا إن الملك رد عليه ” فلتعد لتدريب الجنود، لا رغبة عندي في استعراض الجنود”.

فكان رد تزو “الملك المُغرم فقط بالكلمات، لا يستطيع ترجمتها إلى أفعال”.

رابط مختصر: http://raqamnews.com/post/47939