مركز التنبيهات

  • 81

فاطمة المحسن في "الرحلة الناقصة" رصد حيوات المثقفين العراقيين

فاطمة المحسن في "الرحلة الناقصة" رصد حيوات المثقفين العراقيين


في كتابها التوثيقي السِيَري «الرحلة الناقصة» الذي تهديه إلى فالح عبد الجبار؛ رفيق هذه الرحلة، والذي ناف على المئتين وعشرين صفحة، تنقل الأديبة والباحثة العراقية المغتربة فاطمة المحسن، قراءها في رحلة طويلة ومضنية، امتدت عقوداً من الزمن، منذ الطفولة المبكرة في الجنوب العراقي ومدينتَيْ سوق الشيوخ والناصرية تحديداً، ثم انتقال أبيها وظيفيا إلى بغداد، وكانت قد بلغت العاشرة من عمرها، واشتغالها في مجلة «الإذاعة والتلفزيون» صحافية، التي كان يترأس تحريرها الشاعر زهير الدجيلي، وفيها تلتقي بثلة من الصحافيين العراقيين؛ زهير الجزائري، ومخلص خليل، وجمال العتابي، وسهيل سامي نادر، والصاخب ذي الضحكة المجلجلة التي تكون بمثابة تنفيس عن الأسى المخيّم في الروح؛ رياض قاسم، ومن ثم فالح عبد الجبار، وتالياً الانتقال للعمل في جريدة «طريق الشعب» محررة ومندوبة، أواسط عقد السبعين من القرن العشرين وحتى أواخره، واشتداد العصف الأمني واضطرارها إلى التخفي ولبس العباءة للتمويه، وزيارة زميلها في الجريدة الشاعر يوسف الصائغ، تزوره في بيته صحبة زوجته، كي تنقل له هواجسها، حاثة إياه على المغادرة، لكن تجده قد وطّنَ النفس على البقاء، تزوره مودعة بعد أن أطلق سراحها من التوقيف، متذكرة تلك الأيام القاسية والمضمخة بعنفوان الشباب واندفاعاته التي تقترب من التهور، تستذكرها وتعاتب ذاتها لأنها جعلتها تدفع الضريبة الباهظة، هم ما كانوا يطلبون سوى توقيعها، أو إعلان التخلي أو البراءة من تنظيمها، تناجي نفسها بعد أن مضى قطار العمر سراعاً نحو اللا أين، الذي لا ينتظر أحدا، وما الضير لو وقعتُ وخرجتُ مبكراً من هذا الجحيم، لأن خريطة تنظيمهم المحلي كانت أمام رجال الأمن، بعد اعتقال العديد من ذوي المراتب المتقدمة فيه، تلك الأيام القاسية المريرة التي ظلت تثقل كاهلها وتؤذيها نفسيا، ولا تريد أن تتذكرها، لكن زوجها المترجم والباحث فالح عبد الجبار يحثها على كتابتها، كي تتخلص من كابوسيتها؛ قائلا لها تخلصي منها بالكتابة؛ بكتابتها، لكن تكتشف الحقيقة بعد فوات الأوان وضياع سنوات العمر التي لا تستعاد، فأمس الذي مرّ على قربه يعجز أهل الأرض عن رده، كما يقول المعري العظيم، مؤكدة أن الديمقراطية والدستور والقوانين مفردات لم تشغل أدبياتنا، بل شغلها نموذج واحد هُرِعنا إليه، الاتحاد السوفييتي؛ وهو أسوأ نظام طبقت فيه الاشتراكية، وكان في السبعينيات قد وصل ذروة فساده وتفسخه، لكن الإيمان الأعمى كان جزءا من طقوس العمل في الأحزاب الشمولية؛ والشيوعية فكرة شمولية، لا بد أن تدفعنا إلى تناسي عطوبها كلها، وهكذا كنت أنا التي لم أحظ بزيارة اللاحاد السوفييتي إلى اليوم، أرى نظامه مثال العدالة والتقدم!

كتاب «الرحلة الناقصة» الصادر سنة 2020 الذي خطّت فاطمة المحسن سطوره، اقتراب من حيوات المثقفين العراقيين، سواء على مستوى الوطن قبل المغادرة، فضلا عن من التقت بهم في دول الشتات.

بعد أن ضاقت بها السبل، تقرر المغادرة، وكان يوما عصيباً، ولاسيما لامرأة شابة، وركوبها البغال والسير في طرق ضيقة في تلك الجبال الشاهقة، كانت تلمح من خلال قمة جبل قنديل؛ النهر منسابا مثل أفعى، وتتسمع إلى همهمات البغال، وهمسات تأتيها من بعيد، ثمة حزن مخيّم كالنعي، في رحلة لم تك تحسب أنها ستكون عمرا كله، لكن أمل العودة الذي ما خبا بين جوانحها، ظل يراودها في أحلامها وقتا طويلاً، وظلت معها مفكرتها المحشوة بأرقام الهواتف؛ دفترها الصغير، المتورم بالمواعيد والإشارات التي لا يفك رموزها سواها، والتي يتطلبها عملها الحزبي والطلابي، تضع خطوطا حمرا وخضرا وسودا، وإذ تقول إنها رمت هذا الدفتر في مكب للزبالة في بودابست، تستدرك أن ربما ضاعت تلك المفكرة بين حقائب ارتحالها، لكن المؤكد أن فقدانها قد جرى في عقلها الباطن، كما لو أنه إمحاء متعمد لماضي أيامها الحزينة، واقتلاعها من جذورها.

كتاب «الرحلة الناقصة» الصادر سنة 2020 الذي خطّت فاطمة المحسن سطوره، اقتراب من حيوات المثقفين العراقيين، سواء على مستوى الوطن قبل المغادرة، فضلا عن من التقت بهم في دول الشتات. فاطمة المحسن، وقد دخلت هذا الخضم من العلاقات، تدوّن انطباعاتها عمن التقت بهم، كانت لها جلسات طويلة في لندن وقبلها في هنغاريا مع علي الشوك، الذي شغلتها شخصيته، ولعل دوافعها الأولى ثقافته المنوعة التي تستهويها، وتدفعها للنقاش وتداول الأفكار. كان صلاح نيازي وزوجته سميرة المانع كريمين معها، وهي وصلاح ليسا على وفاق مع شقيقها نجيب المانع. «يوم رحلتُ إلى ليبيا خريف سنة 1995، للعمل في معاهدها مدرسا للغة العربية، لمست إحساس من سبقنا بامتيازه علينا نحن الوافدين الجدد» فاطمة المحسن تتلمس هذا الإحساس الذي يقترب من الأنفة، صادر من هؤلاء الذين سبقوهم في الوفود إلى الديار البريطانية، هذان الانطباع والإحساس حملتهما فاطمة المحسن عند لقائها برفعة الجادرجي وزوجته بلقيس شرارة «وهما يسكنان في ضاحية من أجمل ضواحي لندن، تعرفت إلى بلقيس في ندوة لتأبين اختها حياة شرارة المترجمة الأكاديمية، التي انتحرت في بغداد، وتركت رواية عن أسباب انتحارها، فوضعت في خطتي الهروب من كل مجلس تكون هي وزوجها فيه، ورفضت الذهاب مع فالح في دعواتهما إلينا، ربما تعود هذه المشاعر إلى حساسية مضاعفة امتلكها، فأنا، في أحيان، أعوّل على حدوسي في معرفة الناس، وهذا خطأ أوقعني في مواقف لا أريدها». تطلب من سميرة أن ترتب لها موعدا مع أخيها نجيب المانع، كي تستكمل معلوماتها عن الثقافة العراقية، لكتاب تعده في هذا الشأن، وإذ تهاتفه – بناء على ترتيب شقيقته سميرة- «ودون مقدمات، بدأ يهدر بالشتائم على الثقافة العراقية والعربية، وعلى الشعراء التافهين والروائيين والنقاد، وعلى كل من صنع تلك المدونات الكارتونية التي لا تساوي قروشا قليلة في الثقافة العالمية. ولا أعرف لماذا حسبته يشتم المقربين منه أو معارفه، وعلى رأسهم بلند الحيدري عدوه اللدود الذي ذكره بالاسم، أو ربما كان قد حمل انطباعا سلبيا عني من كتاباتي، وهو يقصدني بكلامه. كنت صامتة وبين استراحة وأخرى يردد:» هل تسمعينني؟» فأهمهم معلنة عن وجودي». وإذ يفجعها هذا السلوك الجافي، لم تذهب إليه معتذرة من شقيقته.

فاطمة المحسن، تقف عند نقطة مهمة وحساسة في حيوات المثقفين هؤلاء، الذين استهلكوا أنفسهم مبكرا، وقلة منهم من نظر إلى الكتابة مصيرا ونهجا يستحقان التضحية ومغادرة حياة التكاسل وانعدام الجدوى؛ جدوى أن تكتب وتمسي شيئا مذكورا، لعل بعضهم أراد أن يعيش الحياة والقراءة والكتابة، أوراقا مبعثرة على طاولات المقاهي والحانات وثرثرات الأزمنة المؤجلة حتى آخر العمر، وعيش هذا العمر في خواء مدمر، ومن هؤلاء مؤيد الراوي، الذي دخل مرحلة اللامبالاة والسخرية المبالغ فيها من نتاج غيره، وأرى أن ذلك ناتج من أنه لم يكتب شيئاً ذا بال، وها هو وليد جمعة، الذي تصفه فاطمة المحسن، بأنه يحمل أخلاق فتوات وشقاوات أبناء المحلة الشعبية، الذين يرون أن من ضمن واجبهم حماية النساء، حتى أنه منعها من دخول مقهى الروضة في دمشق، لأنه لا يقبل أن تكون صحبة هذا العدد الغفير من الرجال، رغم أن السوريات اعتدن الذهاب إليه، لم ينشر وليد سوى قصائد قليلة، جمعها خالد جابر المعالي، ونشرها ضمن منشورات داره؛ دار الجمل، أعطاها عنوان «الغروب النحيف» وتقع في 112 صفحة، صدرت طبعتها الأولى وستكون الأخيرة حتما سنة 2016، وقرأتها أنا في 14 شباط/فبراير 2016، وحين نُشِرتْ قصائد وليد جمعة هذه، كانت قد مرت على وفاته أشهر عدة، إذ توفي خريف سنة 2015.

وتعود إلى دمشق التي تصفها بأجمل هدية تلقتها في حياتها، بساطة روحها الشرقية، وعذوبة مناخها، وتلك الحرية التي استشعرتها وهي تجوب شوارعها، كان وقت دمشق كريما، ويدها مباركة، مسحت على رأسها، ومسحت عذابات كثيرة ووحشة وغربة، كانت تستشعرها في بودابست.

كذلك حال أنور محمود سامي؛ الذي اتخذ اسماً أدبيا هو (أنور الغساني) الذي غادر الدنيا سنة 2009، كان قد غادر الكتابة ذاهبا إلى التدريس في جامعة سان خوسيه في كوستاريكا، أستاذاً للصحافة، ويوم توفي كتبت عنه مقالا عنوانه (كأن لم يسمر بمكة سامر.. رحل أنور الغساني من غير أن يذكره ذاكر)! وحتى سركون بولص لم ينتج شيئا ذا أهمية، وهذا شريف الربيعي الذي جمع شعره أواسط الستينيات، مع بدايات فوزي كريم الشعرية كي ينشراه في مجموعة شعرية مشتركة، أطلقا عليها عنوان «صوتان من المدينة» كتبه فوزي كريم بخط يده، لكن ما استهوت هذه المخطوطة دار نشر أو مطبعة ببغداد كي تنشرها! قال فوزي كريم: لم يتحقق المشروع لسبب لم أعد أذكره، أخذت نصف الدفتر، وأضفت إليه بقية القصائد، ونشرته تحت عنوان «حيث تبدأ الأشياء» صدر سنة 1969، في حين أهمل شريف مجموعته حتى يوم مماته، ولم يخرج بعضها إلى النور إلا في (المختارات الشعرية) التي صدرت أواسط 2002.

المدهش أن شريف ظل محتفظا بنصف الدفتر ذاك حتى سنوات إقامته الأخيرة في لندن». من كتاب ( مراعي الصبار).

كانت فاطمة المحسن قد غادرت نفسيا التنظيم السياسي الذي عملت ضمن صفوفه، منذ أن لمست نزف تنظيمها الحزبي في الكاظمية، رفيقات ورفاقا زجوا في غياهب السجون والمعتقلات في سنتي 1978و1979، في حين بقي القادة غير مكترثين لما يجري في كواليس الحزب الخلفية، فهم اعتادوا الخسارات في صفوف المؤيدين والأنصار والأعضاء المجهولين، ولم يكن الموقف الذي تلبسها في التوقيف محض إيمان بمبادئ، كانت تدافع عنها أو تعتنقها، فهي غادرت ذاك الهوس الشبابي، وعرفت الحقيقة العارية، لكنه كان عنادا شخصيا أو شعورا بكرامة حاول رجال الأمن سحقها، مستذكرة مقولة باقر إبراهيم عضو المكتب السياسي، في لقاء حصل في بيروت سنة 1980، مع مجموعة من الكتاب والصحافيين الفارين من العراق، فقد استمع إلى انتقاداتها ومخلص خليل بأن قال ما معناه: من لا تعجبه سياستنا فليخرج! فخرجت من الحزب، فضلا على رأي عادل حبة الذي التقته في إيران: الحزب مثل القطار، أو القاطرة، من لم يعجبه السفر معنا، فلينزل، فنزلت فاطمة من هذه القاطرة المؤدلجة العمياء، لكنها تذكر بكل المحبة والاعتراف بالفضل جهود عزيز محمد في ترشيحها ونبيل ياسين وزوجته للدراسة في الأكاديمية المجرية، مع أنهم ثلاثتهم أنهوا علاقتهم بالتنظيم، هو الذي رأى إنها ينبغي أن تحصل على استراحة وتتفرغ للدراسة، مؤكدة: بين قلة من القادة أحمل لعزيز محمد ودا ومحبة».

أمضت في بودابست خمس سنوات منذ 1982وحصلت على الدكتوراه بأطروحتها «التجديد في الشعر العراقي.. سعدي يوسف نموذجا» وفاطمة المحسن من قلة قليلة لا يزينون أسماءهم بهذا اللقب العلمي؛ دال الدكتوراه.

وتعود إلى دمشق التي تصفها بأجمل هدية تلقتها في حياتها، بساطة روحها الشرقية، وعذوبة مناخها، وتلك الحرية التي استشعرتها وهي تجوب شوارعها، كان وقت دمشق كريما، ويدها مباركة، مسحت على رأسها، ومسحت عذابات كثيرة ووحشة وغربة، كانت تستشعرها في بودابست.

على الرغم من السنوات، ظل العراق يحيا في جوانح فاطمة المحسن وأضلعها، متحينة فرصة الرجوع إلى أفياء الوطن، وتعود بمعية زوجها فالح عبد الجبار، وما رَنّقت عينيها سِنَة من نوم في الليلة الأولى لها في وطنها الذي أحبته، لتكتشف المأساة في حديث صديقتها مها البياتي، التي التقتها في جريدة «النهضة» التي أصدرها عدنان مزاحم الباججي، قائلة لها بما تشبه الصاعقة: تغيّر العراق ولا مكان لكم هنا، ستتعبون، وهكذا ستكتشف فاطمة المحسن أنها فقدت العراق حين عادت إليه، فغادرت ثانية بلد الفقد والفقدان.

كاتب عراقي

القدس العربي

رابط مختصر: http://raqamnews.com/post/48911