مقالات رقم

  • 75

جائزة نوبل.. عندما ينفجر البارود علما وأدبا وسلاما

جائزة نوبل.. عندما ينفجر البارود علما وأدبا وسلاما

كل عام، وفي مثل هذه الأيام، نترقب ـ نحن العرب ـ مع العالم كله، نتائج جوائز نوبل. نتفاجأ أحيانا، نغتبط، نستاء، نُصدم أو قد نستقبل الخبر بمنتهى الحياد والسلبية، على اعتبار أن الأمر لا يعنينا، تماما مثل الحديث عن الفريق المرشح للفوز بكأس العالم لكرة القدم.

لا.. ليس الأمر بهذه الدرجة، فلقد بات للعرب نصيب في هذه الجوائز التي تعد الأرقى والأكثر تميزا وحظوة في التاريخ الحديث.

انحياز واضح

إذا عدنا للحصيلة العربية من جوائز نوبل نجدها “غير مفرحة” مقارنة بالتعداد السكاني والامتداد الجغرافي وكذلك التاريخ الحضاري للعالم العربي، لكن في جرابنا 8 جوائز، 6 منها في السلام، وواحدة في الأدب، وواحدة في الكيمياء، في حين لم يحصل أيّ عربي على جائزة في الاقتصاد أو الطب أو الفيزياء.

وبالمقابل، ومنذ عام 1966، كان هناك 12 إسرائيليا حصلوا على جائزة نوبل.. هذا إذا لم نأخذ في الاعتبار الديانة اليهودية التي نال قسم كبير من حامليها جوائز نوبل في جميع المجالات، حتى أن الكثير من الغربيين ـ قبل العرب ـ صاروا يتحدثون عن نوع من الانحياز الواضح لليهود دون غيرهم.

وبعيدا عن عقليات التشكيك ونظريات المؤامرة، حصلت مصر على النصيب الأكبر من الجوائز بإجمالي 4 جوائز، بينما كانت إسرائيل شريكا في جائزة السلام التي حصل عليها الرئيس المصري الراحل أنور السادات والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.

ومنذ بدء توزيع جوائز نوبل في عام 1901 مُنحت جائزة نوبل للسلام 101 مرة إلى 135 من الحاصلين عليها.

الجائزة، بلا شك، تتويج تاريخي عالي الاعتبار، تمنح الحاصلين عليها من الأفراد أو الهيئات، قيمة مضافة على الصعيدين الرمزي والاعتباري، كما أنها بمثابة البصمة في السجل الذهبي للبشرية.

اختلف الدارسون والمحللون والفلاسفة في تحديد مفهوم الجائزة، منهم من عدها كناية عن مفهوم التفوق الإنساني وتمييزا للمبدعين كي لا تضيع جهودهم في الزحام، ومنهم من سخر منها واعتبرها شكلا من أشكال التضليل الذي يخفي نوايا مبيتة.

وظلت الجائزة ـ أيّ جائزة في المطلق ـ محل نقد لدوافع ذاتية وموضوعية، كما أنه لا يمكن عزلها عن منطق السوق والاعتبارات الرأسمالية. وفي هذا الصدد ذكر السينمائي السوري ثائر موسي أن أحد كبار أساتذته في المعهد العالي للسينما في بولندا، المخرج فويتشخ هاس، قال بأن الجوائز المقررة في مهرجانات السينما لكل عام تفوق بأضعاف عدد الأفلام المهمة المنجزة في هذا العالم سنويا، ولذلك فإنك ترى أعمالا غير ذات قيمة تحصل على جوائز معدة أساسا للتوزيع.

وبالعودة إلى جائزة نوبل هذا العام ـ وفي الأدب بالتحديد ـ فقد فاز الروائي عبدالرزاق غورنا (73 عاماً) المولود في تنزانيا والمقيم في بريطانيا بجائزة نوبل للآداب، بحسب ما أعلنت الأكاديمية السويدية الخميس الماضي.

وأوضحت لجنة التحكيم أن المؤلف الذي تشكل رواية “بارادايس” (“جنة”) أشهر مؤلفاته، مُنح الجائزة نظراً إلى سرده “المتعاطف والذي يخلو من أيّ مساومة لآثار الاستعمار ومصير اللاجئين العالقين بين الثقافات والقارات”.

هذا التوصيف الوارد في تقرير الأكاديمية يكشف التوجه المقصود في مواكبة الأحداث والمستجدات من طرف أعضاء الأكاديمية وذلك من خلال تركيزهم على موضوع اللاجئين القادمين من ثقافات أخرى.

وهذا ما أكده الكاتب التنزاني الأصل بدعوته أوروبا لاعتبار اللاجئين الوافدين إليها من أفريقيا بمثابة ثروة، مشدداً على أن هؤلاء “لا يأتون فارغي الأيدي”.

تقديس مطلق

قال غورنا هذا في شدة اغتباطه بعد الفوز وامتنانه للأكاديمية “إنه أمر رائع، إنها جائزة كبيرة، وسط لائحة ضخمة من الكتاب الرائعين، ما زلت أحاول استيعاب الأمر”.

هذا التعبير عن التفاجؤ، نسمعه دائما في أولى تصريحات الفائزين بالجائزة، ذلك أن أعضاء لجنتها يشتغلون في كنف السرية، إلى حد الغموض التام ولا يمكن تسريب اسم الفائز ولو قبل دقيقة من إعلان الجائزة ثم أن المرشحين إليها لا يعلمون بأسمائهم التي كانت في التداول إلا بعد 50 عاما.

ولعل أقرب مثال إلى هذا هو أنه وبعد تسعة أشهر من توليه منصب الرئاسة، فوجئ الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بحصوله على جائزة نوبل للسلام عام 2009، وأعرب بنفسه عن دهشته، كما فوجئ الكثيرون بهذا القرار على اعتبار أن أوباما لم يكن قد حقق شيئًا يذكر لتحقيق السلام وهو لم يكمل بعد سنته الأولى في البيت الأبيض.

ما حكاية هذه الجائزة التي تشغل العالم منذ أكثر من مئة عام، وما الذي أحاطها بهذه الهالة من الإكبار إلى حد التقديس المطلق أو الهجوم المطبق؟

ما حقيقة السيد ألفريد نوبل وهل هو حقا رجل سلام حتى يخصص ثروته التي جناها من مصانع الأسلحة لهذا “السلام المشتهى؟”.

العالم في مجمله لا يعرف إلا بعض المعطيات العامة ويتعامل معها كمسلّمات، في حين أن معلومات كثيرة انكشفت عن هذا الشخص الذي بات واضحا لشدة غموضه أي أنه ربما غطى عن أخطائه وعثراته بتلك الوصية التي صنعت أسطورة.

هي في قيمتها المالية ما تزال تسيل لعاب الكثير من الأفراد وليس الجماعات، ذلك أن قيمتها النقدية تعادل حوالي 916 ألف دولار أميركي اعتباراً من أكتوبر 2019 وتتكون الجائزة من ميدالية ودبلوم شخصي.

أما عن نظامها وقوانينها المنظمة فلا تُمنح الجائزة بعد الوفاة؛ ومع ذلك، إذا حصل شخص على جائزة وتوفّي قبل استلامها، فقد تظل الجائزة مقدمة له. كما لا يتم تقاسم الجائزة بين أكثر من ثلاثة أفراد، على الرغم من أنه يمكن منح جائزة نوبل للسلام لمنظمات تضم أكثر من ثلاثة أشخاص. ولا يتم الإعلان عن المرشحين السابقين والذين لم يتم اختيارهم لنيل الجائزة إلا بعد مرور خمسين عاما من تاريخ ترشحهم.

وتنتهج الأكاديمية السويدية نظاما صارما على الصعيد الأخلاقي، فلقد سبق أن تقرر حجب جائزة نوبل للآداب بعد فضيحة جنسية هزت الأكاديمية السويدية، حيث تقدمت 18 سيدة بادعاءات تحرش جنسي ضد المصور الفرنسي جان كلود أرنو المتزوج من عضوة سابقة في الأكاديمية.

الأب الروحي لجائزة نوبل هو الصناعي السويدي ومخترع الديناميت، ألفريد نوبل، إذ قام بالمصادقة على الجائزة السنوية في وصيته التي وثّقها في “النادي السويدي – النرويجي” في السابع والعشرين من نوفمبر 1895. وقد مُنحت جوائز نوبل في الكيمياء والأدب والسلام والفيزياء وعلم وظائف الأعضاء أو الطب لأول مرة في عام 1901. وعلى نطاق واسع تعتبر جوائز نوبل من  أكثر الجوائز المرموقة الممنوحة في مجالات تخصصها.

وفقًا لوصيته التي تمت قراءتها في ستوكهولم في الثلاثين من ديسمبر 1896، فإن المؤسسة التي أنشأها ألفريد نوبل “ستكافئ أولئك الذين يخدمون الإنسانية”. تم تمويل جائزة نوبل من ثروة ألفريد نوبل الشخصية. وفقًا للمصادر الرسمية، فقد ورّث نوبل 94 في المئة من ثروته لمؤسسة نوبل التي تشكل الآن القاعدة الاقتصادية لجائزة نوبل.

سلام مثير للجدل

تتعدد جوائز نوبل وتتشعّب، ويذاع صيت كل جائزة لدى متابعيها وأهالي اختصاصها، فمثلا عندما منح الرباعي التونسي الراعي للحوار جائزة السلام ابتهج التونسيون كثيرا لهذا الخبر، واعتبروا ذلك حدث القرن ونسوا أن الطبيب التونسي ذي الأصول الفرنسية شارل نيكول كان قد تسلم جائزة نوبل في الطب سنة 1928.

قد يغيب عن ذهن الكثيرين أن الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم تمنح جائزة نوبل في الكيمياء، وجائزة نوبل في الفيزياء، وجائزة سفيرغيز ريسكبانك في العلوم الاقتصادية، بينما تمنح جمعية نوبل في معهد كارولينسكا جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب، وتمنح الأكاديمية السويدية جائزة نوبل في الأدب، في حين تمنح اللجنة النرويجية لجائزة نوبل جائزة نوبل للسلام.

وتبقى جائزتا الأدب والسلام، أكثر الجوائز إثارة للجدل ومحطة للتشكيك فيهما نظرا لنسبية الحال واختلاف الآراء حولها، حتى في تاريخ نشوئها. ففي عام 1876 أصبحت الكونتيسة بيرثا كينسكي، ذات الأصول النمساوية – البوهيمية سكرتيرة نوبل.

ولكن بعد فترة قصيرة تركته لتتزوج عشيقها السابق البارون آرثر غانداكار فون ستنر. وعلى الرغم من الفترة القصيرة التي قضتها برفقة نوبل إلا أنهما كانا على اتصال دائم حتى وفاته في عام 1896، ويعتقد أنها كانت ذات تأثير كبير في قراره لتضمين جائزة نوبل للسلام من بين الجوائز التي قدمت في وصيته.

ومنحت برثا فون سوتنر عام 1905 جائزة نوبل للسلام “لأنشطتها الصادقة في السلام”. كان نوبل كيميائيًا ومهندسًا ومخترعًا وجمع ثروة خلال حياته، حيث أتت معظم ثروته من 355 اختراعًا، أشهرها الديناميت.

هده المفارقة العجيبة التي لا يزال الكثير يرددها حول نوبل هل كان سيد سلام وهو بارون الأسلحة والمتفجرات بامتياز، حتى أنه، وفي عام 1888 توفي لودفيغ شقيق ألفريد نوبل أثناء زيارة لمدينة كان وقامت صحيفة فرنسية بنشر نعي لألفريد نوبل بدلاً من شقيقه عن طريق الخطأ. تضمن النعي تنديدا به لاختراعه الديناميت، وتمت كتابة النعي بعنوان “تاجر الموت مات”. شعر نوبل بخيبة أمل مما قرأه وانتابه القلق بشأن ذكراه بعد موته في نظر الناس، فألهمه هذا لتغيير وصيته. ففي العاشر من ديسمبر 1896 توفي ألفريد نوبل عن عمر 63 سنة في فيلته في سان ريمو، إيطاليا، بسبب نزيف دماغي.

جوائز نوبل أحيطت بهالة من القصص والحكايات والطرائف ما يمكن أن تخصص لها الكتب والمؤلفات وذلك بحكم شهرتها وشهرة من ارتبطت أسماؤهم بها، حتى أن الشاعر الفرنسي رينييه سولي لا يعرف أغلب الناس شعره بل يعلمون أنه أول فائز بجائزة نوبل للآداب عام 1901.

وبدأ الجدل منذ ذلك الحين، حيث كان الروائي الروسي ليو تولستوي هو المرشح الأقوى حظا في رأي معظم أدباء عصره.

قائمة الانتظار

استمر الاختلاف حول مستحقي الجائزة من دونهم منذ ذلك الوقت ففي عام 1953 منح رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل جائزة نوبل للآداب عن مذكراته في الحرب العالمية الثانية في الوقت الذي كان يتوقع فوزه بجائزة للسلام، ورأى الكثير من النقاد أن مذكراته لا تحمل أيّ قيمة أدبية.

كما رفض الفيلسوف الفرنسي الوجودي جان بول سارتر جائزة نوبل للآداب عام 1964، وقدم لوسائل الإعلام رسالة يشرح فيها أسبابه، ومنها رفضه لكل أشكال المؤسسات، كما رفض استلام المبلغ النقدي للجائزة الذي كان يعادل 300 ألف يورو بأسعار اليوم.

واعتبر كثيرون أن هذا الموقف الغريب كان بدافع الاستعراض وشد الانتباه خصوصا أن لديه خصومة مع غريمه ألبير كامو الذي كان فاز بالجائزة قبله.

أما عن المبلغ النقدي للجائزة ففي عام 1988 باع العالم الفيزيائي ليون ليدرمان جائزته لشخص مجهول عبر دار المزادات لتغطية نفقات علاجه من الخرف، وتلقى مقابلها 765 ألف دولار، وهو نبأ أصاب المجتمع العلمي بالصدمة والحزن.

ودائما عن المفارقات الحاصلة في الجائزة على المستوى المالي فقد منحت جائزة نوبل للاقتصاد في عام 1997 للاقتصادييْن الأميركيين روبرت ميرتون ومبيرون سكولس تقديرا لفتحهما آفاقا جديدة في مجال التقييمات الاقتصادية، بحسب بيان الأكاديمية، لكن الصناديق والشركات المالية التي طبقت نظريتهما خسرت المليارات من الدولارات، وما زالت تلك النظرية موضع انتقاد شديد من قبل الكثير من الخبراء.

وتجدر الإشارة إلى أن الموضوعة أسماؤهم على قائمة الانتظار لا يجب أن يقنطوا كما يحصل كل عام مع الشاعر السوري أدونيس وتتداوله مواقع التواصل بالسخرية والتعليقات، فعلى عكس ما يعتقده الكثيرون فإن الجوائز لا تمنح دائما لاكتشافات أو إنجازات علمية حدثت في السنة نفسها، بل يتراوح متوسط الفارق الزمني بين 20 و30 عامًا، وأطول فترة انتظار بلغت 50 عاما عندما حصل بيتون روس على جائزة الطب في العام 1966 عن عمله بشأن الفيروسات التي يمكن أن تسبب الأورام.

ولا يتوقف الجدل حول هذه الجائزة التي دخلت التاريخ وأدخلت من ارتبط بها من أوسع الأبواب، حتى أن هناك جوائز بديلة قد ابتدعت، استلطفها أناس واستهجنها آخرون مثل الجائزة التي تتخذ من ستوكهولم مقرا لها وكرمت ناشطين حقوقيين من بيلاروسيا وإيران.

أما أطرفها فهو جائزة نوبل للحماقة العلمية وتحتفل خلال هذا حفلها السنوي بعشر اكتشافات علمية غريبة. جوائز تمنح لعشر إنجازات علمية مضحكة تدفع الناس إلى الضحك أولا، ثم التفكير الجدي في أمرها بعد تقديم المتباري لفكرته، التي يشرحها ضمن المسابقة خلال دقيقة واحدة. ويشارك في المسابقة علماء من مختلف دول العالم ضمن عشر مجالات علمية مختلفة.

ولا يتوقف الجدل عن هذه الجائزة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، أحيطت بهالة خرافية ونشأت بدورها من خرافة تقول إن البارود يمكن أن يصنع سلاما.

رابط مختصر: http://raqamnews.com/post/49011