آخر الأخبار

  • 74

رواية "الهدهد أن حكى"عما أدى إليه الافتتان بفريد الدين العطار

رواية "الهدهد أن حكى"عما أدى إليه الافتتان بفريد الدين العطار


فقط امرأتان، إيمان وموني وافقتا سلمى على مرافقتها في الرحلة. الأخريات من نساء الجمعية الإسلامية في لندن تراجعت منهنّ من كانت قد وافقت في البداية، إذ لم يبدُ لهنّ أن زيارة قبر في ذلك المكان البعيد تستحقّ المجازفة. لأنهنّ يجهلن من هي الليدي إيفلين كوبولد، التي كانت «أول امرأة بريطانية تحجّ إلى مكة» حتى يتحمّلن مشاق الرحلة لزيارة قبرها. فقط هن، النساء الثلاث، وافقن على القيام بتلك الرحلة متجشّمات الأهوال والمخاطر التي سيصادفنها في تلك المنطقة الإسكوتلندية البعيدة وغير المأهولة. وهنّ لم يكنّ متساويات في حماستهن لمتابعة الرحلة حتى نهايتها. موني تردّدت وهنّ ما زلن في لندن، إذ لم تطق أن تترك ابنها المعوّق في دار الرعاية أسبوعا كاملا. لا تستطيع الانفصال عنه إذ لا تجد معنى لوجودها من دون الاهتمام المتواصل به ورعايته. إيمان أكثر حماسة، وجمالا أيضا، من بينهن لكن، منذ أن ابتدأت الرحلة تلقّت مكالمة من زوجها الطالب في الجامعة، أبلغها فيها بطلاقه منها، ما جعل إقامتها في لندن مستحيلة إذ ليس لديها عمل ولا كفاءة خاصّة للتقدّم إلى ذلك. فقط سلمى كانت تامة التكيّف مع الحياة البريطانية، فهي متزوجة من بريطاني، دايفيد، وأولادها لا يحسنون النطق بالعربية، وهي تحمل شهادة في الطبّ من مصر، لم تؤهّلها لممارسة الطب في لندن فارتضت بأن تعمل مدلّكة في المستشفى.

الفارق العلمي والمادي بين النساء الثلاث متفاوت، لكن يجمع بينهنّ كونهن محجّبات. سلمى، الأكثر لندنية من رفيقتيها. هي قائدتهما في تلك الرحلة، وراعيتهما قبلها. لم تتوقف عن حثّهما على البقاء هنا في أوروبا، رغم صعوبة إقامتهما. موني مثلا كانت تتلقى مكالمات ورسائل نصّية لا تتوقف من زوجها يدعوها إلى أن تأتي بابنها المعوّق ليعيشا معه في مجتمع ترى أنه ليس قادرا على الاهتمام بالطفل ومعالجته. مثل موني كانت لكل واحدة من رفيقتيها مشكلتها، الواقعية في ما خصّ إيمان، والمخترعَة، أو المفتعلة في ما خصّ سلمى الباحثة عن علاقة بمن كان زميلا لها في الجامعة، رغم تعلّقها بزوجها البريطاني.

النساء الثلاث، الراغبات في الإقامة في لندن مقيّدات بما تركنه في بلادهن. ذلك الارتباط كامل الحضور عندهن، وإن لم يكن هناك من سبب فعليّ لذلك، فيمكن البحث عن سبب متوهّم، كمثل استنهاض سلمى لما في ذاكرتها من عشق قديم. ولا تتطرّق الرواية إلا لماما للبلدان التي قدِمت منها كل من النساء الثلاث، وهي مصر والعراق والسودان. سيكون على قرّاء الرواية أن يرجعوا إلى صفحات سبقت ليردّوا كلا من النساء إلى بلدها. ولا تفاصيل تذكر عن هذه البلدان الثلاثة، وفي المقابل لا ذكر للتفاصيل المتعلّقة بمعوّقات الحياة في بريطانيا، لِمَ لم يتكيّفن بعد للعيش فيها؟ ليس إلا الخطوط العريضة لتوصيف مشكلاتهن، الإجرائية غالبا. وهذا الغياب ينحّي، بالتدريج، مسائل كان القارئ يتوقّع مواجهتها عن حياة نسوة عربيات في أوروبا.

أعني أن الرواية تنأى عن التوقّع الذي أملته مقدّماتها. وهي أمعنت في الابتعاد عنه بقفزات تنبو عن المسار السردي الذي بدأت به.

حتى منتصف الرواية يظل القارئ يبحث عما ستفضي إليه المقدّمات التعريفية بالنساء الثلاث، ليفاجأ بعد ذلك بظهور طائر الهدهد مكلّما إحداهنّ، إيمان، راويا لها قصصا خرافية ناصحة أخذ بعضها، محوّرا، من ألف ليلة وليلة ومن «منطق الطير» لفريد الدين العطار. كان ذلك أشبه بطيران سردي لم يكن متوقّعا ولا منتظرا. ليس إلا أن الرواية خرجت عن مسارها الأول لتدخل في الخرافة التي أُتبعت بتحوّلات نفسية، ثم فيزيائية، راحت تصيب كلا من النساء الثلاث. فموني صار يصغر حجمها في ذلك الكوخ إزاء الطفل الذي استقبلته والذي راح يتضخم حجمه بمقاييس هائلة، فلم يعد يتسع له الكوخ الذي سرعان ما انهار وتحوّل ركاما. أما موني فتبدّل شكلها البشري فصارت رخويّة ضخمة، أما سلمى القائدة فانهارت قوتها وأخذت رفيقتاها تجرّانها ممسكتين بذراعيها على الطريق المثلجة. الأمكنة أيضا، الطريق والغابة والنفق والبحيرة كلها صارت، في نظرهن هنّ الممسوخات، أماكن عجائبية.

ولم تكد النساء الثلاث يعدن إلى أشكالهن السابقة، الحقيقية، ويتصالحن بعد أن فرّقت بينهن الرحلة وأبعدتهنّ بعضهن عن بعض، حتى دخلت الرواية في طورها الثالث: التصوّفي هذه المرة. كان ذلك وهنّ في المسافة الأخيرة التي تسبق الوصول إلى قبر الليدي إيفلين كوبولد وقراءة الفاتحة على روحها. في هذه المسافة الصعبة الوعرة، قبل الوصول، عاد الهدهد ليرشدهن إلى الطريق، ناطقا هذه المرة بلسان طائر فريد الدين العطّار وحكمته.

عوالم صعبة التجاور تتتابع في رواية ليلى أبو العلا مدخلة شخصياتها في ما لم تكن قد أعدّت له. هي تجارب كتابية مختلفة، بل متخالفة، سعت الكاتبة إلى التنقّل بينها وتجربتها، ما جعل «الهدهد إن حكى..» أشبة بسلسلة جمعت قسرا ثلاث تجارب روائية في كتاب واحد.

«الهدهد إن حكى…» للروائية السودانية ليلى أبو العلا نقلتها إلى العربية عزّة حسون في 318 صفحة، صدرت عن «دار الساقي»، التي سبق أن نشرت لها رواية «المترجمة». «الهدهد إن حكى…» صدرت هذه السنة – 2021.

كاتب لبناني

القدس العربي

رابط مختصر: https://raqamnews.com/post/54252