مركز التنبيهات

  • 133

الميتافيرس يسد الفجوة بين الواقعي والرقمي

الميتافيرس يسد الفجوة بين الواقعي والرقمي

يسعى مؤسس موقع فيسبوك مارك زوكربيرغ من خلال الميتافيرس إلى إنشاء عالم افتراضي يسد الفجوة بين العالمين الواقعي والرقمي، لينشأ بذلك عالم ثالث يستطيع فيه الأفراد إنشاء حياة لهم عبر مساحات مختلفة من الإنترنت، بحيث تسمح لهم بالتلاقي والعمل والتعليم والترفيه بداخله، مع توفير تجربة تسمح لهم ليس فقط بالمشاهدة عن بُعد من خلال الأجهزة الذكية كما يحدث حاليا، ولكن بالدخول إلى هذا العالم في شكل ثلاثي الأبعاد عبر تقنيات الواقع الافتراضي.

العالم في بيتك

صار بإمكان البشر أن يسافروا بعيدا دون أن يغادروا مقاعدهم في غرفة المعيشة من خلال استخدام نظارات الواقع الافتراضي والواقع المُعزز وارتداء السترات والقفزات المُزودة بأجهزة استشعار.

وفي عالم الميتافيرس تبدو الأشياء مشابهة لأشكالها الحقيقيّة التي نعرفها، بل يمكننا أن نلمسها ونشعر بها حقيقية بفضل تقنية المحاكاة اللمسية الـ”هابتيك”، وهناك يمكن لكل واحد منا أن يصمم  الـ”أفاتار” الخاص به ويختار الشعر والثياب وحتى الأسلوب الذي يشبهنا في الحقيقة، لندخل عالم “في أر تشات” فنجد أنفسنا في الغرفة الرقمية التي صممناها بأنفسنا.

قد نتفاجأ في البداية، بل قد يصاب الواحد بالدوار بهذا العالم الجديد الذي نرى فيه أجسادا غير أجسادنا تتجول في مكان يختلف عن المكان الذي نوجد فيه فعليا، لكن هذا القلق لن يدوم طويلا حيث سيتكيف المرء ويتعود على الحركة لينغمس طويلا دون أن يحس بالوقت، حيث سيبدو كل شيء أكثر واقعية، بل تبدو العوالم حقيقية.

ينتج ما يسمى بالميتافيرس عن التقاء تقنية الواقع الافتراضي “في أر” مع تقنية اللعب المشترك عبر الإنترنت، وهو عالم جديد يخطط له مارك زوكربيرغ، فبدلا من أن تكون التفاعلات البشرية واقعية ومحسوسة عبر التلاقي المادي أو تكون غير مادية وغير محسوسة عبر التلاقي الرقمي من خلال شاشات الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر، سوف يكون هناك طريق ثالث يسد الفجوة بين هذين العالمين (الواقعي والرقمي)، ليظهر عالم ثالث افتراضي يأخذ من الواقع شيئاً، ومن الإنترنت والتقنيات الذكية أشياء وخصائص أخرى.

ورغم أن عوالم الميتافيرس الموجودة حاليا لا تزال قيد التطوير، لكن هذا لا يعني أنه لا يمكننا خوض التجربة من خلال المرور على مجموعة من التطبيقات الموجودة حاليا في بيئة الواقع الافتراضي المتاحة.

ومن خلال إحدى البوابات المتوفرة، يمكننا أن نذهب مثلا إلى عالم يسمّى “منزل منتصف الليل” وهناك يمكن أن نتعرف على أناس في الميتافيرس منهم من يتناول وجبة طعام ومنهم من يأخذ استراحة ومنهم من يناقش مع أصدقائه مواضيع حارقة.

ورغم أن الزمن ثابت في هذا المكان والوقت فيه دائما منتصف الليل، إلا أنه يمكننا التحكم في هطول الأمطار مثلا، وسط الحاضرين يمكننا أن نلتقي أصدقاء آخرين تعرفنا عليهم في عالم آخر من عوالم الميتافيرس، ويمكن أن نحادثهم ونلعب معهم ونخرج معهم للسهر.

في هذا العالم البديل نكوّن أصدقاء من أنحاء العالم نلعب معهم تنس الطاولة “إليفين” عبر تطبيق “أوكيولوس هوم” فنضع الكرة الافتراضية على الملعب الافتراضي، لكن السحر في هذه اللعبة أننا نشعر بوزن الكرة في أيدينا كما في العالم الحقيقي، كما يمكننا أن نلعب الرياضة المستقبلية حيث نطير في بيئة منعدمة الجاذبية في لعبة تسمّى “إيكو”.

أنشطة عديدة عبر تطبيقات مختلفة نقوم بها دون أن نغادر غرفنا، فنجوب مثلا العالم الحقيقي، في رحلات ترفيهية إلى أماكن ومدن سياحية ومتاحف وصيد سمك وصور جماعية، وكأننا في فيلم خيال علمي، لكن الناس في عالم الميتافيرس يندمجون مع بعضهم ويطورون حاسة اللمس الرقمية التي يلمسونها بالأفاتار الخاص بهم وكأنه عالمهم الحقيقي.

ثلاثة آفاق

قد يظن البعض أن عالم الميتافرس مضيعة للوقت الحقيقي في نشاطات مسلية فقط، لكن زوكربيرغ  قسم هذا العالم إلى 3 عوالم أو آفاق كما أطلق عليها، وهي “آفاق المنزل” و”آفاق العمل” و”آفاق العالم”.

وداخل “آفاق المنزل” يستطيع المُستخدم إنشاء نسخة افتراضية تطابق منزله الأصلي، ويستطيع التجول فيها بمجرد ارتداء نظارة الواقع الافتراضي، ومن ثم يستطيع أن يدعو زملاءه في عالم الميتافيرس إلى قضاء وقت معاً داخل المنزل، أو مشاهدة مباراة كرم قدم، أو حتى مراجعة الدروس والقيام بالواجبات المنزلية.

وتتعدى تجربة عالم  الميتافيرس في التعليم لتكون أكثر ثراءً، فتوفر مثلا للطلاب المعنيين بدراسة الفضاء أو المحيطات أو الجيولوجيا أو التاريخ، فرصة لمحاكاة هذه العوالم في صورة ثلاثية الأبعاد، وبالتالي يمكنهم الذهاب إلى القمر أو أحد الكواكب الشمسية أو حتى الشمس نفسها، وأيضاً يمكنهم الذهاب إلى أعماق المحيطات أو باطن الأرض، أو حتى العودة إلى أحد الأزمنة التاريخية ومحاكاة طرق العيش فيها.

ومع دخول نظم الذكاء الاصطناعي في برمجة شخصيات هذه العوامل، يمكن للمُستخدم أن يعيش تجربة شبه حقيقية بالفعل.

ويستطيع الزملاء في العمل إنشاء فضائهم الخاص بهم داخل الميتافيرس، فيمكنهم الذهاب إلى العمل فقط من خلال تطبيق “ووركبليس ” الذي يستهدف الشركات والمؤسسات، وإنجاز المهام المطلوبة والمشاركة في الاجتماعات بل وأخذ راحة منتصف اليوم مع أصدقاء العمل، كل ذلك من دون حتى مغادرة المنزل.

وقد كشف موقع فيسبوك أن هناك أكثر من 30 ألف منظمة حاليا تستخدم هذا التطبيق الذي يضمن لأصحاب الشركات أن الموظفين لن يتم تشتيتهم عن طريق التحدث مع أصدقائهم خارج الشركة أو تصفح مواقع التواصل الاجتماعي خلال ساعات العمل.

ليس هذا فحسب، بل يمكن التسوق أيضاً داخل الميتافيرس، واختيار السلع الغذائية من داخل السوبر ماركت ودفع ثمنها عبر بطاقة الائتمان في تجربة ثلاثية الأبعاد، وكأن المستخدم داخل أحد المتاجر بالفعل، كما يمكن قياس الملابس والتأكد من ملاءمتها للمُستخدم، عبر تصميم “أفاتار” بنفس مقاييس المُستخدم ومحاكاة تجربة ارتداء الملابس عليه.

جدل وإبهام

هذه الحياة التي وعد بها زوكربيرغ في مشروعه الجديد الذي سيكتمل خلال خمس سنوات من الآن، تثير أسئلة عديدة ومقاومة من التيار الإنساني التقليدي، الذي اعتاد أن يرفض هذه السرعة المُبالغ فيها من التطور.

ويرى أستاذ الذكاء الاصطناعي والحوسبة المكانية في جامعة ليفربول هوب، ديفيد ريد، أن مشروع الميتافيرس يأتي مع الكثير من التوقعات والمزايا الرائعة، ولكن هناك أيضا المخاطر المخيفة.

ولهذا يعتقد أنه يجب إنشاء نظام ضبط عال لمراقبة المشروع، مضيفا أن الناس كانوا يخشون تأثير “تويتر على السياسة، ولكن التأثير على رأيهم سيختلف بشكل كبير حينما يمكنك نقل شخص إلى منطقة حرب مثلاً وإظهار ما يحدث حقا أمامه”.

من بين القضايا التي تطرق لها ريد، يبرز التنمر الإلكتروني، والذي يرى أنه سيصبح أكثر تأثيراً على الصحة النفسية للأفراد، إذ من المحتمل أن يصبح المتنمرون أكثر تطرفا، ويرى أن هذا التطور التكنولوجي سوف يطمس الخطوط الفاصلة بين الواقع الافتراضي والواقع الحقيقي، ويسمح للمسيطر على هذا الواقع بأن يكون لديه حق الوصول إلى كمّ غير مسبوق من البيانات، وبالتالي قدر هائل من  النفوذ.

 ويشرح ريد أن العديد من النماذج الأولية لأنظمة الميتافيرس تتمتع بتقنيات تتبع الوجه والعين والجسم واليد، ويحتوي معظمها على كاميرات متطورة، حتى أن البعض يدمج تقنية المخطط الكهربائي للدماغ من أجل التقاط أنماط الموجات الدماغية، بمعنى أن كل ما تقوله أو تنظر إليه أو حتى تفكر فيه تمكن مراقبته في العالم الافتراضي، فإنه سيولد قاعدة بيانات هائلة عن الأفراد. ولهذا يرى أن من الخطورة سيطرة شركة واحدة فقط على هذه المعلومات.

ويعتقد البعض أن زوكربيرغ قد تسرّع  بالمشروع الجديد في محاولة للتغطية على الفضائح الأخيرة التي تعرضت لها شركته، حسبما نقل موقع “آي إف إل ساينس” العلمي.

وأعربت فرانسيس هاوغين، المبلغة عن مخالفات فيسبوك، عن خشيتها من تأثير الميتافيرس في إجبار عالم الواقع الافتراضي المستقبلي الأفراد على الإفصاح عن المزيد من معلوماتهم الشخصية وإدمان موقع التواصل ومنح الشركة احتكارا جديدا في عالم الإنترنت.

ففي بيئة مثل هذه لا تتوقع أن تبقى لك أيّ خصوصية من أيّ نوع، فبيانات الواقع الافتراضي هي بيانات بييومترية، وسيتم تسجيل كل حركة للبشر داخل هذه البيئة، وهو الأمر الذي يشبه الحصاد العالمي لجميع الخصائص الشخصية والسلوكية للبشر، وهو ما سيجعل الناس عرضة للكثير من الجرائم الإلكترونية، وأكثر بكثير مما هو موجود حاليا، وهو عالم جديد ومثير قادم، وهو أيضا عالم عار تماما بلا حتى ظل لورقة توت.

وقالت هاوغين “يجب أن يكون لدى فيسبوك خطة شفافية للميتافيرس قبل البدء في بناء كل هذه الأشياء، لأنهم يستطيعون الاختباء خلف الحائط، ويستمرون في ارتكاب أخطاء غير مقصودة، ويستمرون في صنع أشياء تعطي الأولوية لأرباحهم قبل الأمان”.

عوالم الميتافيرس

عندما قام مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة فيسبوك، بإعادة تسمية الشركة أخيرا باسم “ميتا”، أعلن أيضا ما يخطط للقيام به داخل الميتافيرس، وهذا لا يعني بأيّ حال من الأحوال أنه يريد امتلاك الميتافيرس، لأنه بكل بساطة لا يستطيع فعل ذلك.

وفي هذا الصدد قال الشريك المسؤول عن الإعلام في شركة «بيرنغ بوينت» نيكولاس ريفيت «ثمة احتمال كبير لأن يكون لدينا عوالم  عديدة للميتافيرس مع الكثير من التجارب الانغماسية المتاحة في مواضع كثيرة”.

وأضاف أن «المغزى من ذلك لا يتمثل في وجود وجه واحد فقط للميتافيرس يحمل معه كل التجارب. ولا نظن أن أحداً يمكن أن يمتلك وحده مفاتيح هذا العالم”.

وقد أطلقت مجموعات التكنولوجيا الأميركية العملاقة، وفي طليعتها فيسبوك، مشاريع ضخمة في هذا المجال، ولمناسبة مؤتمرها السنوي المخصص للمحترفين، أعلنت مايكروسوفت إطلاق «ميش»، وهي خاصية جديدة في برنامج «تيمز» ستتيح للمستخدمين الظهور، اعتبارا من عام 2022، على شكل صورة رمزية (أفاتار) مكيّفة مع شكل المستخدم بدلا من تشغيل الفيديو.

وفي المجال نفسه، أطلقت «نفيديا» الرائدة في مجال صناعة المعالجات، منصتها «أومنيفيرس» التي ترمي للسماح لفرق تصميم دولية بالأبعاد الثلاثية تعمل على مجموعات برمجيات عديدة بالتعاون في الوقت الفعلي في مساحة افتراضية مشتركة.

وأصبحت «روبلوكس» أو «ماينكرافت» أو «فورتنايت» أكثر من مجرد ألعاب فيديو مجانية على الإنترنت، خصوصا منذ بدء جائحة كورونا إذ تحوّلت إلى منصات ترفيه تمكّن اللاعبين أن يعيشوا حياة اجتماعية موازية، وأدى ذلك حتى إلى زعزعة هيمنة الشبكات الاجتماعية المعروفة، كما عزز طموحها لبناء ميتافيرس خاص بها، وأشارت شركة “إبيك غايمز” المطورة للعبة فورتنايت إلى أن جزءا من مبلغ مليار دولار تم جمعه هذا العام من المستثمرين سيخصص لتطوير هذا المجال الجديد.

رابط مختصر: https://raqamnews.com/post/55434