مركز التنبيهات

  • 701

فيتولد غمبروفيتش صديق سارتر اللدود الذي تمرد على كل الأشكال

فيتولد غمبروفيتش صديق سارتر اللدود الذي تمرد على كل الأشكال


اكتشفتُ فيتولد غمبروفيتش (مالوشتسه، بولندا، 1904 – فانس، فرنسا، 1969) في مطلع الثّمانينات من خلال مقالة عنوانها “ضدّ الشعر” نشرتها جريدة “لوموند” الفرنسية، وتولّيتُ ترجمتها ونشرها في مجلة “الأقلام” العراقيّة، وهي عبارة عن محاضرة ألقاها غمبروفيتش في بوينس آيرس واضطر إلى القفز إثرها من النافذة لينجو بجلده من الحاضرين، وكان أغلبهم من الشعراء الأرجنتينيّين، لأنه اتّهمهم، واتّهم كافّة الشعراء الحداثيّين بالتّلاعب والتنميق، مثلما اتّهم المتلقّين بالزَّيف والممالأة عن جهل.

وقد شكّل هذا النص مادّة يوميّاته عام 1956، وعُدّ تقريرا عن “جرائم الأدب” من وجهة نظره طبعًا، فكان أشبه بمانفستو ضدّ ما أسماه الدّيانة الأدبية بخاصّة، والديانة الفنّيّة بعامّة، حيث شبّه فيه الشّعراء بالقساوسة المتحذلقين، الذين يَنشدون خضوع الجهلة بكلام منمّق لا يعرفون أوّله من آخره.

العصامي الجريء

ازددت اطلاعا على أدب غمبروفيتش ومسرحه وموقفه من الأدب والأدباء بعد إقامتي في فرنسا، وعرفت أنّه عاش وضعية فريدة قلّ أن عرفها الكتّاب في العالم، فقد انتقل من أطراف أوروبا (بولندا) إلى أطراف العالم (الأرجنتين)، ليتوجّه إلى مواطنيه في بلاده وخارجها عبر بلد آخر (فرنسا) حيث لا أحد يهتمّ به أو يفهم مسعاه، مع عزم صارم، رغم ذلك، على ملامسة العالم كله.

هذا العصاميّ self-made man كما ينعت نفسه، كان يرفض جمهوريّة الآداب العالميّة، وعاصمتها باريس التي لم تولِه، بشقَّيها التقليديّ والطلائعيّ، الاهتمامَ الذي كان يرجوه، وقد عبّر عن ذلك في يومياته بقوله “في بولندا، قبل الحرب، كان يُنظر إليّ كأقلّ من لا شيء، واليوم، وقد بدأ بعضهم هنا وهناك يولونني الاحترام، لا أجد لي موقعًا، فأنا بلا نار ولا مأوى، حتى ليخيّل إليّ أنّي لا أقيم في هذه الأرض، بل في كوكب آخر تائه في الفضاءات الفلكيّة.”

شكّل غمبروفيتش منعرجا في الآداب البولنديّة التي كان يسودها الشّعر وأدب النّضال الوطنيّ، وكان يرفض كلّ أشكال الهيمنة، السياسيّة والثقافيّة على حدّ سواء، ويدافع عن حريّة الإنسان في عيش أهوائه الشخصيّة وخوض معاركه الخاصّة.

أدان في كلّ أعماله “الشّكل” الذي يحدّد حياة الإنسان تحت تأثير السّلطة أو الجسد الاجتماعيّ، مثلما أدان الشّعور الوطنيّ الخانق، ولذلك عاش متمرّدا على الأشكال التقليديّة ورموزها، بدءا بالبولنديّين مثل بريبيشفسكي وكاسبروفيتش، وخاصّة هنريك سينكيفيتش، وكان قد وصفه بكونه يمثل بمفرده كنيسة تكتفي بنشر الكلمة الطيبة بين البشر، إذ ينصاع حدّ الاستلاب لجمهور يملي عليه ما ينبغي أن تكون عليه حلقات رواياته، وصولا إلى الأسماء العالمية.

 وكان لا يهاب أحدًا، مهما علا شأنه وذاع صيته، من بورخس وفكتوريا أوكامبو إلى شارل بيغي وسارتر، وقد فسر ذلك في يومياته قائلا “سيادتي، استقلاليّتي وحتى صفاقتي المرحة واستهتاري واستفزازي المستمرّ وثقتي الدائمة في نفسي، كلّ ذلك مردّه إلى وضعي الاجتماعيّ والجغرافيّ (…) أنا جريء لأنّي لم يكن لي شيء أخشى زواله (…) أنا دولة بحالها، أمارس سياستي أنا أيضا”.

انقطع عن الدّراسة الجامعيّة منذ السّنة الأولى، ولكنه كان متعطّشا للمعرفة، يسعى لها بوسائله الخاصّة، فقد بدأ يطالع “نقد العقل المحض” لكانْت وهو لا يزال في الإعداديّة، وكتب لاحقا مقالة جيّدة بعنوان “مدخل إلى التّحليل النّفسيّ عند فرويد”. كما تجلّى ولعه بالفلسفة وعلم النّفس منذ روايته الأولى “فرديدوركه” التي نشرها عام 1937 على نفقته، ولما عاد من منفاه الأرجنتينيّ، بعد ثلاث وعشرين سنة قضّاها بين التّدريس والكتابة وخوض المعارك الأدبيّة ضدّ التيّارات السائدة، لم يحمل في حقيبته غير ستة كتب، كلّها فلسفيّة.

لم يدّع غمبروفيتش يومًا أنّه فيلسوف، ولكنّ النقّاد اعتبروه روائيّا فيلسوفًا على غرار مارسيل بروست وصامويل بيكيت، لما في أعماله من ملامح تحيل على الفلسفة المعاصرة، بل إنه ابتكر في رواياته مفهومي “الطّفالة” و”الغرارة”، وقد استوحاهما من تحليله للمجتمع البولنديّ، الذي عانى الاحتلال البروسيّ والنّمساويّ والرّوسيّ والنازيّ قبل أن يخضع للمنظومة الشيوعيّة.

والكتاب الذي أشرنا إليه أعلاه ونعني به “دروس في الفلسفة في ست ساعات وربع”، ليس محاضرةً ولا درسًا جامعيّا بل هو خلاصةُ ما أملاه على زوجته الكنديّة وصديقه الفرنسيّ في ربيع العام 1969 وهو على فراش المرض، قبل وفاته بشهرين، وفيه يرسم جينيالوجيا الفلسفة الغربيّة، من ديكارت إلى سارتر، ولكن مع التزام قراءته الخاصّة التي استلهمها من معاشرته نصوصَ كبار الفلاسفة والمفكّرين، قدامى ومحدثين، وربط أفكارهم بعضها ببعض بأسلوب بسيط، وأمثله ملموسة تقرّب المفاهيم والمنظومات الفكريّة إلى ذهن المتلقّي فيفهم بيسر حتى المعقّدَ منها، من كركيغارد وهيغل وكانْت إلى هوسرل وهايدغر ونيتشه وماركس.

كان غمبروفيتش ينوي كتابة مسرحيّة عن الألم ويسخط على الفلسفة المعاصرة وصديقه اللّدود جان بول سارتر “الواقعيّة الحقّ أمام الحياة هو أن نعرف أنّ الشيء المحسوس، الواقع الحقّ، هو الألم. أمّا الفلسفة المعاصرة فتتكلّف نبرة طبيب أو أستاذ وكأنّ الألم لا وجود له. بل إنّ سارتر يذهب إلى القول إنّ التعذيب قد يكون متعة إذا كنّا نحسب أنّنا ذاهبون إلى الجنّة بعد الموت. غير أنّ هذا ليس صحيحًا إطلاقًا في نظري”.

وأضاف “أعتقد أنّ هذه الكيفية في التعامل مع الألم بخفّة، وبنبرة نطاسيّة، هي أحد أخطاء الفلسفة المعاصرة، التي هي مفرطة في البورجوازية، ومن صنيعة جامعيين في معظمها. أودّ أن أكتب ما يمكن أن يعطي مفهومَ الألم، كشيء مرعب حقّا ومطلق، أسَّ الواقعِ نفسَه. أنا أرى الكون مثل كيان أسود وخاوٍ تمامًا، حيث الشّيء الحقيقي الوحيد هو ذلك الذي يوجِع: الألم تحديدًا. الشيطان الحقّ هو ذاك، والباقي كلامٌ مفخَّم”.

 في دروسه تلك، نلمس قراءة عميقة، بعيدة عن التّقديس، لأعلام الفكر في عصر الحداثة، ونقدًا لاذعًا أحيانا للفلسفة الحديثة التي حادت عن البحث في الحياة ومشاغل النّاس الحقيقيّة. هي خلاصة لفكر الآخر وفكر غمبروفيتش، وإن شئنا الدّقّة، فكره هو من خلال فكر الآخرين.

الطريف أن هذا الكتاب ساعده على تحمّل الأشهر الأخيرة من حياته، وكانت مؤلمة إلى حدّ جعله يطلب من زوّاره الثّقات أن يجيئوه بسمّ أو مسدّس حتّى يتخلّص من الآلام المبرّحة التي أقضّت مضجعه.

رابط مختصر: https://raqamnews.com/post/56275