مركز التنبيهات

  • 68

"ماذا لو" كلمتان تشبهان "افتح يا سمسم"

"ماذا لو" كلمتان تشبهان "افتح يا سمسم"


يعد كتاب “الفكرة القاتلة.. السياسة، الأعمال، الثقافة” للباحث نيكولا بورداس الذي صدر باللغة الفرنسية عام 2009 من الكتب التي لاقت انتشارا واسعا في فرنسا وأوروبا لما تضمنه من أفكار جديدة وهامة، وتنطلق فكرته من تحليل لمعنى الفكرة ومراحل نموها والعوامل التي تساعدها على البقاء والتأثير حتى تكتسب عناصر السيطرة والامتداد. والكاتب من خلال خبرته في مجال الإعلانات وصناعة الأفكار؛ يخبر أن قدرة الفكرة على البقاء تكمن في قدرتها على التواصل الدائم مع العامل المحيط بها.

إن الكاتب كصانع أفكار يطرح تساؤلاته حول قدرة الفكرة على الاستمرار سواء كانت الفكرة جيدة أو غير جيدة، وإذا ما عرفنا هذا السر؛ نستطيع أن ننهض بالأفكار الجيدة لتطغى على نقيضتها، ويكون ذلك بتسييرها في المسارات والمراحل التي يحددها الكاتب. فهناك أفكار عظيمة لم يحالفها الحظ في هذا العالم وهناك أفكار ليست بالمستوى الرفيع إلا أنها استطاعت أن تشق طريقها وتنمو وتتطور حتى تصل إلى مرحلة الإقناع والقبول. فبين نمو الأفكار وبقائها وانتصارها صراع دائم.

يفتتح بورداس كتابه، الذي ترجمته وفاء التومي وراجعه وحرره نزار شقرون وصدر عن وزارة الثقافة والرياضة القطرية، متسائلا: كيف تعمل الأفكار؟ ولماذا تمتلك بعض الأفكار قدرة أكبر من بعضها الآخر؟ ما سر الفكرة القاتلة كما يسميها الأنغلوسكسون؟ كيف نبلغ حدود أفكارنا؟ ويلفت إلى أن هذه الأسئلة تمثل خبزه اليومي، فهو مولّد أفكار، تتمثل مهنته منذ خمسة وعشرين عاما في توليد الأفكار ثم السهر عليها لتكبر وتتكاثر.

ويرى أن الأفكار كائنات حية، كلها تولد وتحيا وتموت، ففي كل يوم تنبثق المليارات من الأفكار. لا يرى جلها النور ويطويها النسيان. وفجأة تبرز إحداها لتظهر للوجود. تنطلق محلقة باحتشام أو محدثة ضجيجا وفق تقلبات التيارات التي تعترضها. تصبح وجهة نظر فردية أو جماعية تشمل الأقلية والأغلبية حتى تفرض نفسها في بعض الأحيان لتصبح أيديولوجيا وذلك لطبيعتها الإحيائية ومواجهتها للآخرين. ومثلما تعلم الإنسان كيف يسيطر على البيئة ليبقى على قيد الحياة، فإن الانتقاء الطبيعي للأفكار يحصل عبر المواجهة.

ويؤكد بورداس أن صراع الأفكار لا يتوقف البتة. تتحرك الأفكار في محيط عادة ما يكون معاديا لما هو جديد، فهي بذلك نتاج بيئتها بقدر ما هي ثمرة خيال زيد أو عمر. كم يحدث من مرة أن يعبّر أحدهم عن فكرة سبق لها أن جالت بخاطرك؟ ذلك هو أثر روح العرض، وعلى الرغم من أن الأفكار التي تتحرّك بطلاقة لا تكاد تدركها فهي حاضرة. وفي الواقع فإن الأفكار التي نتلقاها سواء كانت سياسية أو دينية أو ثقافية أو اقتصادية أو اجتماعية والماثلة في أذهاننا لا تحضر هنا من باب الصدفة. يمكن لنا جميعا أن نفهم كيف تعمل الأفكار فنؤثر بواسطتها على العالم شرط أن نعرف كيف تتفتح وتكبر وتفرض نفسها. وإذا كانت قدرة الإنسان على إنتاج الأفكار أمرا لا شك فيه فالعكس صحيح أيضا؛ تنتج الأفكار الإنسان وتشكله وتعرّفه. إذ بنيت الأديان حول فكرة الله بينما تبحث الفلسفة عن فكرة الإنسان كما يتجلى عبر الفن والعمل.

ويشير إلى أنه ما من فكرة جيدة في حد ذاتها. توجد فكرة لها مقدرة وأخرى تعوزها المقدرة. إن قدرة الفكرة على النفاذ مشروطة بمعايير خارجية. فلا تأخذ الفكرة اكتنازها إلا بالقياس إلى نظام يدمجها. ولنضرب مثالا على ذلك، “الديمقراطية التشاركية” التي جعلت منها سوغيلين روايال سلاحها في معركة الرئاسية لسنة 2007 ليست شيئا سيئا أو حسنا. إن تعبيرة هذه الفكرة لها ديناميكيتها. إنها التصقت بالرأي، مثلما حدث لعبارة الشرخ الاجتماعي لجاك شيراك. وإن لم تكفّ لتهب الانتصار لمرشحة اليسار فلأن أصدقاءها الاشتراكيين قاموا بالتشويش عليها. ولأنها واجهت نيكولا ساركوزي الذي كان على عجلة للبرهنة على أنه مشبع بالأفكار لأجل إصلاح البلد.

ويتابع بورداس أن الفكرة ذاتها تتحكم مثلا في خلايا الكائن الحي لها طاقة كامنة جدُّ مختلفة حسب ما نطبقه لأجل إنتاج البازلاء الحمراء أو إنزيم قادر على إيقاف فيروس السيدا. ولكن، وبشكل آلي فإن الأفكار تعمل بصيغة مماثلة. وفي السياسة أو التسويق تكون الفكرة مشروعا وقادحا. إذ ليس لها غير هدف واحد: هدم سابقتها وتعويضها لأجل أن تأخذ مكانها وتحتل الفضاء. وسواء كانت الأفكار صغيرة أو كبيرة أو ضيقة أو هامشية أو أساسية فإنها تتأثر بالسياق. ويرتهن مصيرها بالطريقة التي نلقيها بها ونكسوها. وبفضل عدد من اليراعات المستخدمة كل يوم في التواصل التجاري ـ وغالبا في السياسة ـ ويمكننا أن نمنح قوة أكبر لتلك الأفكار أو لغيرها وأن نهبها حيوية أكبر.

ويلفت إلى أن بعض الأفكار تحجب أفكارا أخرى. والأفكار المهيمنة في فترة ما تُخفي الأفكار المهمشة. إن عقيدة النمو الاقتصادي تسحق اليوم مدرسة التفكير المعادي للعولمة القائم على الفاقة. ذلك ما يشبه نجمة من فرط توهّجها تحجب ما يجاورها ويمكننا أن نصاب بالعمى بسبب فكرة إلى درجة أننا نعجز على التعرف على ما يناقضها، فالعقيدة في الشيوعية منعت طويلا البعض عن رؤية انحرافات الستالينية ومنها الغولاغ.

ترتبط الأفكار بعضها ببعض مثلما هو شأن الذرات ومثلما كتب عالم الاجتماع إدغار موران “الفكرة المعزولة لا حق لها في الوجود”، إذ يتمتع غليان ثقافات الأفكار ببنية أساسية “أنظمة أفكار” تسمح للأيديولوجيات بأن تتأسس بطريقة مستقرة وبأن تتعزز عبر الزمن. إن هذه العناصر البنيوية للاستقرار تقع في المرجلة المشتركة، ولكن في عقل كل شخص أيضا، لذلك فنحن لا نرى المحيط الفكري بطريقة متماثلة إذا ما كانت عقيدتنا سياسية أو دينية. كل فكرة جيدة تؤول حسب كل عقل بالنظر إلى قناعاته الموجودة سلفا، وبحسب تمثلاته للعالم.

افتح يا سمسم

يعتقد بورداس أن الأفكار هي ثمرة عصرها، وحتى الأفكار الأكثر استشرافا وعصارة تخييل خصب لواحد مثل ليونار دي فنشي أو جيل فيرن، كانت مطبوعة بعصرها. ولغاية أن نبدع ننطلق مما نعرفه، وغالبا مما نفتقده ومن ثغرات السائد أو تجاوزاته. وكلما هيمنت فكرة، كلما استدعت في إطار التفاعل فكرة بديلة. إنّ تجاوزات العولمة تستدعي حركة معاداة العولمة. إن الديانات الكبرى أو الحركات السياسية تشتغل على هذا النحو، فالماركسية هي إجابة عن الوضعية العمالية في القرن التاسع عشر، وحركة الهيبيز هي نتاج حرب الفيتنام، أما الكينزية فهي إجابة أزمة 1929.

يلاحظ الكاتب أنه إذا كانت الحرية الشخصية تتوقف عندما تبدأ حرية الآخر، فالفكرة تبدأ حينما تزعج فكرة أخرى، فالفكرة غالبا ما تستبدل سابقتها. إنها تولد هدامة أو منذورة لهذا المصير إذا ما أرادت أن تمتلك فرصة أن تصبح مهيمنة. وتعني لفظة “هدم” في اللاتينية ما هو “مجبول على قلب النظام السائد”، وتبديله وتشويشه وإعدامه. والفعل مشتق من كلمتين تعني الأولى “تحت” والثانية “قلب” أي تمرير ما كان خافيا ليطفو على السطح، وذلك هو مصير الأفكار: أن تهيمن أو تظل غير مرئية.

ويقول بورداس إن الفكرة القديمة لا تضمحل ولكنها تتلاشى وتمّحى. ولا يمكنها أن تنتدب بل تفقد قوتها. وتنسى الأجيال الشابة قصتها. ومن المفارقة أن نلحظ أن الدادائية وهي الحركة الأكثر إبداعا في التاريخ الأدبي والفني، قد تداعت في أقل من عشر سنوات. وكانت تتميز ببعد واسع للهدم حيث وضعت على المحك كل المواضعات والعواقب الأيديولوجية والفنية والسياسية. ولكن “من يفرط في إحكام القبضة سرعان ما يفت عضده”.

لقد عددت الدادائية من أبعادها وأفرطت في طرق الاتجاهات فسقطت في هدم آلي شكلي وغير جوهري، وهكذا أصبحت الحركة منزوعة النخاع الشوكي وسريعا ما انحلت. ويؤكد المجال الفني إلى أي حد يكون مصير الأفكار هو الهدم. فالتجريد، يخلف السوريالية التي تخلف بدورها التكعيبية، والذي يتبع التعبيرية التي تأتي من بعد الوحشية والرمزية، وقد نشأ بعد الانطباعية.. وفي كل مرة باسم رفض التصوير الرسمي، يراجع الجديد الأنموذج ونزعته الأكاديمية. وأغلبنا لا يطرح البتة السؤال التالي: ما الشيء الذي تهدمه فكرتي، وماذا تقلب رأسا على عقب؟ ورغم ذلك فإن سلطتها الهدامة ستسمح لها بالانتقال من عقل إلى عقل بطريقة واعية أو غير واعية.

ويوضح أنه لكي تعيش الفكرة وهي على قدر من العبقرية فينبغي لها أن تكسب قدرة على أن تستحوذ على الاستماع وهي في غمرة هذه النغمات المتنافرة التي تتكاثر يوميا على الإنترنت حتى أصبحت مقهى عملاقا للتجارة العالمية. وفي المحيط الفكري تتبارى الفكرة مع كل الأفكار أيا كانت طبيعتها فتسعى كل يوم لجذب الانتباه والالتصاق بعقولنا.

ولذلك فإن إطلاق فكرة لا ينبغي أن يكتفي بالسيطرة قياسا بالأفكار المنتسبة إلى نفس السجل، ولكن قياسا إلى جملة الأفكار التي تتحرك كل يوم. ولأجل أن تنجح في إطلاق فكرتك، فينبغي أن تكون كل الإشارات الضوئية خضراء. ففي وقت انطلاق صاروخ أريان من قاعدة كورو‘ فإن السياق المناخي ينبغي أن يكون ملائما. وهذا يتطلب القيام بتحليل السياق قبل إطلاق الصاروخ وشحن الطاقة الهدامة للفكرة، وتحديد الناطق الرسمي، وتقدير صياغة الرسالة واختيار وسائل الإعلام المناسبة. إن لحظة الإقلاع جد رئيسية، وفي أغلب الحالات من الأفضل أن نكون من الأوائل على أن نكون من الأخيرين. وهذا ما يسمح بإثبات فكرتك بالمعنى القانوني للكلمة سواء تعلق الأمر بفكرة قابلة للتجسيد ويمكن أن نثبت نسبها. أما المقلدون فيعتبرون تبعا وغالبا ما يفضل الأصيل على النسخة.

ويتابع بورداس “وماذا لو؟ هاتان المفردتان شبيهتان بمقولة: افتح يا سمسم. إنهما تفتحان باب العالم العجيب للأفكار. ولا تنبثق الأفكار إلا إذا ما وضعت النظام على المحك وإذا ما زحزحت اليقينيات. إن صيغة ‘وماذا لو؟‘ هي صيغة متفجرة. إذ تسمح بالقطع مع المواضعات وتغرس الشك الذي يمثل وقود الابتكار الشائع بين العلماء. إننا بفضل الجرأة على استكشاف السبل الجديدة والتفكير ضد البديهيات يمكننا أن نعثر على الحلول الجديدة. لذا فالشك الديكارتي مخصب. ووفق الحكاية فإنه بفضل التجوال ليلا ومشاهدة التفاحة وهي تسقط من أعلى استطاع إسحاق نيوتن أن يقول ‘وماذا لو سقط القمر أيضا؟’، فالطريقة البسيطة تكمن في أن نطرح السؤال: وماذا لو راجعت تلك المواضعة أو غيرها، ما الذي ننتهي إليه؟ وهذا ما يحرك عددا لا يستهان به من الأفكار. لا شك أن كلها لا تلفت الانتباه ولكن نكتفي بكتلة صلبة”.

ويشير إلى أن كل الوسائل غير جيدة لتصنع مجد فكرة يحكم عليها بالتميز. ولكن كل وسائل التلاعب ينبغي أن تكون معروفة حتى لا تكون ضحية. مثلنا في ذلك الطفل الذي يلاعب المكعبات لغاية تعلم العد أو التلاعب بالحروف لتعلم الكتابة، إذ يكون من المفيد التعلم مبكرا دون انتظار دروس الفلسفة أو أنماط إجراء الأفكار وحتى لا نكون عرضة للاقتياد بطرف الأنف أو بأفكار الآخرين دون وعي.

إن ضرورة التلاعب التقني والأيديولوجي لغرض التحاور مع فكرة لا ينبغي أن تمنع من الذهاب إلى أقصى أفكارك. كثيرة هي الأفكار التي لا ترسو في الميناء المطلوب، سواء بسذاجة أو بهواية أو من سوء الطالع. إن أقل من ربع المنتجات الجديدة تظل على قيد الحياة سنويا. ولا شك فإن الإفرازات لا يستهان بها. إن التواصل ليس علما صحيحا. وأيا كانت الوصفات فإن النتيجة مهدورة. إن الإبداع هو حرفة الحرفيين. ولكن خوض المخاطر يتطلب الإنفاق. وبقدر ما يكون الناس أقل نفورا من خوض المخاطر فإنهم ينجحون في أعمالهم.

رابط مختصر: https://raqamnews.com/post/58931