مركز التنبيهات

  • 61

ألمانيا: حكم "تاريخيّ" في قضية جرائم ارتكبها النظام السوريّ

ألمانيا: حكم "تاريخيّ" في قضية جرائم ارتكبها النظام السوريّ


أصدر القضاء الألماني، اليوم الخميس، حكما بالسجن مدى الحياة، بحقّ الضابط السابق في المخابرات السورية التابعة للنظام، لارتكابه جرائم ضد الإنسانية والقتل، في قرار وصفته منظمات حقوقية، بأنه "تاريخي"، فيما ذكر مكتب الادعاء العام الفيدرالي بألمانيا، أن القرار؛ "الأول من نوعه في العالم الذي يتعامل مع الجرائم المرتكبة برعاية الدولة في سورية".

ووصف المكتب القضية بأنها أول إجراء جنائي في العالم ضد عناصر من نظام الأسد بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، حيث تم الاستماع لأكثر من 80 شاهد وضحايا تعذيب.

وبالإضافة إلى ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، اتهم رسلان بالاغتصاب و58 جريمة قتل وتعذيب أكثر من 4000 شخص أثناء الاستجواب في سجن بدمشق خلال الحرب في عامي 2011 و 2012.

وقضت المحكمة العليا الإقليمية في كوبلنس غربي ألمانيا، بأن رسلان (58 عاما) مسؤول عن مقتل معتقلين وتعذيب آلاف الآخرين في معتقل سرّي للنظام في دمشق وذلك بين 2011 و2012.

وهو ثاني حكم يصدره القضاء الألماني في هذه المحاكمة بعد إدانة ضابط آخر من المخابرات السورية أدنى رتبة في شباط/ فبراير 2021.

وقد أقرّ القضاة بذنب رسلان في مقتل 27 شخصا في هذا المركز الذي أشير إليه على أنه تابع لقسم التحقيقات-الفرع 251 ومعروف باسم "أمن الدولة - فرع الخطيب" في دمشق.

وبعد مرور نحو 11 عاما على اندلاع الثورة في سورية، كانت هذه المحاكمة الأولى التي تنظر في جرائم منسوبة إلى النظام السوري، وثقها ناشطون سوريون ومنظمات غير حكومية عدة مرات.

وفي العام 2016، اتّهمت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة، النظام السوري بـ"إبادة" المعتقلين.

والتزم رسلان الذي كان يرأس شعبة التحقيقات في الفرع 251 من جهاز أمن الدولة الواسع الانتشار، الصمت طوال جلسات هذه المحاكمة التي بدأت في 23 نيسان/ أبريل 2020.

واستمع صباح الخميس إلى حكم المحكمة الذي تُرجم ترجمة فورية إلى العربية، من دون أن يبدو عليه الانفعال.

وفي أيّار/ مايو 2020، تلا محاموه إفادة خطّية نفى فيها هذا الضابط السابق مشاركته في تعذيب المعتقلين وقتلهم. وأعاد التأكيد على موقفه هذا في بيان تلاه مترجمه في مطلع كانون الثاني/ يناير، قبل أن يختلي أعضاء المحكمة للتداول.

وأشادت منظمة "هيومن رايتس ووتش" بهذا الحكم، واصفة إيّاه بـ"التاريخي". وقال مديرها التنفيذي، كينيث روث خلال إحاطة صحافية في جنيف "إنه تاريخي بالفعل".

من جهته، قال مسؤول منظمة العفو الدولية في ألمانيا، ماركوس بيكو، إن المحكمة "ثبتت بشكل واضح ورسمي ظروف الاعتقال غير الإنسانية وأعمال التعذيب المنهجية والعنف الجنسي والقتل في سورية".

وفي الجزء الأوّل من هذه المحاكمة التي حظيت باهتمام كبير من الجالية السورية الكبيرة في المنفى، قضت المحكمة العليا الإقليمية في كوبلنس بسجن إياد الغريب، العضو السابق في جهاز المخابرات، أربع سنوات ونصف سنة إثر إدانته بتهمة اعتقال متظاهرين في 2011 ونقلهم إلى سجن فرع الخطيب حيث تعرّضوا للتعذيب.

ولمحاكمة هؤلاء السوريين، تطبّق ألمانيا المبدأ القانوني للولاية القضائية العالمية الذي يسمح لقضائها بمحاكمة مرتكبي الجرائم الخطرة، بغضّ النظر عن جنسيتهم أو مكان ارتكاب الجرائم.

وحضر نحو 12 من الضحايا على الأقل جلسة النطق بالحكم. وتجمعت عائلات سورية صباحا أمام المحكمة وحمل الحاضرون لافتات كتب عليها "أين هم؟" في إشارة إلى أشقائهم وشقيقاتهم الذين فُقدوا في مراكز الاعتقال السورية.

وقد أقرّت المحكمة في قرارها بـ "هجوم موسّع وممنهج ضدّ المدنيين" يشنّه نظام الأسد على السوريين منذ أن نزلوا إلى الشارع مطالبين بالديمقراطية في آذار/ مارس 2011.

ومنذ بدء المحاكمة، مثل أكثر من 80 شاهدا أمام القضاء، من بينهم 12 منشقا وعدّة رجال ونساء أتوا من دول مختلفة في أوروبا للإدلاء بشهاداتهم، بشأن الفظائع التي تعرّضوا لها في فرع الخطيب. غير أنّ شهودا آخرين رفضوا المثول أمام المحكمة، في حين وافق آخرون على الإدلاء بإفاداتهم بشرط ألا يتمّ الكشف عن هوياتهم فقاموا بإخفاء وجوههم أو وضعوا شعرا مستعارا، وذلك خوفا من أن يتعرض أقاربهم الذين ما زالوا في سورية لأعمال انتقامية.

وفي سابقة من نوعها، عُرضت أمام المحكمة صور من "ملف قيصر"، وهو أمر لم يسبق حدوثه في أي محاكمة حتى اليوم.

وقيصر هو الاسم الذي أُطلق على مصور سابق في الشرطة العسكرية السورية هرب من بلاده وبحوزته 50 ألف صورة وثّقت 6786 معتقلا سوريا وقد قتلوا بطرق وحشية بعدما تضوّروا جوعا وتعرّضوا لشتّى صنوف التعذيب.

وقدّم أحد السوريين شهادة عن المقابر الجماعية التي كانت تُطمر فيها جثث المعتقلين. وما انفكّ وكلاء الدفاع يذكّرون بأن موكّلهم انشقّ في 2012 وحاول التخفيف من معاناة المعتقلين، وفق مزاعمهم.

وفي الواقع، فإنّ رسلان لم يحاول إخفاء ماضيه عندما لجأ إلى ألمانيا مع عائلته سنة 2014، لا بل إنّه طلب بنفسه من الشرطة في برلين أن تحميه في شباط/ فبراير 2015 وأخبرها بأنّه كان ضابطا في المخابرات السورية.

وافتضح أمر هذا الضابط السابق حين تعرّف عليه في أحد شوارع العاصمة الألمانية مواطن سوري آخر هو أنور البنّي، المحامي والمعارض الذي يقوم الآن بمطاردة المتعاونين السابقين مع النظام اللاجئين في أوروبا.

وأوقف رسلان في شباط/ فبراير 2019 ووضع رهن الحبس الاحتياطي.

وفي دليل على مدى أهمّية هذا الحكم بالنسبة إلى الجالية السورية، قرّرت المحكمة التي سبق لها أن رفضت بثّ المداولات توفير ترجمة فورية إلى العربية وقت تلاوة الحكم.

ونقلت وكالة "فرانس برس" عن وسيم مقداد أحد المدّعين بالحقّ المدني في هذه القضية، القول: "آمل أن نكون قد أعطينا صوتا لمن لا صوت لهم" في سورية، مضيفا: "جلّ ما أريده هو إحقاق الحقّ وليس الأخذ بالثأر أو الانتقام".

وأكّدت المحامية جمانة سيف التي تعيش في المنفى أن "هذه المحاكمة هي في غاية الأهمية بالنسبة إلى السوريين لأنها تتمحور على جرائم خطرة جدّا ما زالت تُرتكب اليوم".

ومن المرتقب أن تنطلق الأسبوع المقبل في فرانكفورت محاكمة أخرى على صلة بنظام بشار الأسد تطال طبيبا سوريا لجأ إلى ألمانيا.

رابط مختصر: https://raqamnews.com/post/59763